سيد قطب

2563

في ظلال القرآن

تربية ومنهاج حياة لا ليكون كتاب ثقافة يقرأ لمجرد اللذة أو لمجرد المعرفة . جاء لينفذ حرفا حرفا وكلمة كلمة ، وتكليفا تكليفا . جاء لتكون آياته هي « الأوامر اليومية » التي يتلقاها المسلمون في حينها ليعملوا بها فور تلقيها ، كما يتلقى الجندي في ثكنته أو في الميدان « الأمر اليومي » مع التأثر والفهم والرغبة في التنفيذ ؛ ومع الانطباع والتكليف وفق ما يتلقاه . . من أجل هذا كله نزل القرآن مفصلا . يبين أول ما يبين عن منهجه لقلب الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - ويثبته على طريقه ؛ ويتتابع على مراحل الطريق رتلا بعد رتل ، وجزءا بعد جزء : « كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا » . . والترتيل هنا هو التتابع والتوالي وفق حكمة اللّه وعلمه بحاجات تلك القلوب واستعدادها للتلقي . . ولقد حقق القرآن بمنهجه ذاك خوارق في تكييف تلك النفوس التي تلقته مرتلا متتابعا ، وتأثرت به يوما يوما ، وانطبعت به أثرا أثرا . فلما غفل المسلمون عن هذا المنهج ، واتخذوا القرآن كتاب متاع للثقافة ، وكتاب تعبد للتلاوة ، فحسب ، لا منهج تربية للانطباع والتكيف ومنهج حياة للعمل والتنفيذ . لم ينتفعوا من القرآن بشيء ، لأنهم خرجوا عن منهجه الذي رسمه العليم الخبير . . ويمضي في تثبيت الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - وتطمينه على إمداده بالحجة البالغة كلما فتحوا له بابا من الجدل ، وكلما اقترحوا عليه اقتراحا ، أو اعترضوا عليه اعتراضا : « وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً » . . وإنهم ليجادلون بالباطل ، واللّه يرد عليهم باطلهم بالحق الذي يدمغه . والحق هو الغاية التي يريد القرآن تقريرها ، وليس مجرد الانتصار في الجدل ، ولا الغلب في المحاجة . إنما هو الحق القوي بنفسه ، الواضح الذي لا يتلبس به الباطل . واللّه سبحانه يعد رسوله - صلّى اللّه عليه وسلّم - بالعون في كل جدل يقوم بينه وبين قومه . فهو على الحق ، واللّه يمده بالحق الذي يعفى على الباطل . فأنى يقف جدلهم لحجة اللّه البالغة ؟ وأنى يقف باطلهم للحق الدامغ الذي يتنزل من عند اللّه ؟ وتنتهي هذه الجولة بمشهدهم يحشرون على وجوههم يوم القيامة ، جزاء تأبيهم على الحق ، وانقلاب مقاييسهم ومنطقهم في جدلهم العقيم : « الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ . أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلًا » . . ومشهد الحشر على الوجوه فيه من الإهانة والتحقير والانقلاب ، ما يقابل التعالي والاستكبار ، والإعراض عن الحق . وهو يضع هذا المشهد أمام الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - تعزية له عما يلقاه منهم . ويضعه أمامهم تحذيرا لهم مما ينتظرهم . وهو مشهد مجرد عرضه يذل كبرياءهم ويزلزل عنادهم ، ويهز كيانهم . وقد كانت هذه الإنذارات تهزهم هزا ، ولكنهم يتحاملون على أنفسهم ويظلون معاندين . ثم يجول بهم جولة في مصارع المكذبين من السابقين :